بين الرياضيـات واللغة روابط محكومة بالمنطق والتوازن

يسود الاعتقاد بأن من يدرس العلوم عامة، والرياضيات خاصة، لا حاجة به للتعمق في غياهب اللغة، والإلمام بقواعد النحو، والتحكم في أسلوب الكتابة، بل يتباهى بعض العلميين بجهلهم في موضوع اللغة ومكوناتها، موهمين المستمع إليهم بأنه كلما زاد الجهل باللغة زاد الإلمام بالعلوم! وهذا رأي مردود على أهله إذ يرى غيرهم ممن لهم باع طويل في البحث الرياضي عكس ذلك الرأي تماماً. دعنا نناقش هذا الموضوع، علّنا نبرز بعض الروابط التي تصل الرياضيات واللغة.

قبل نصف قرن نادى العالم المصري الشهير علي مصطفى عطية مشرّفه (1898-1950) بضرورة تبسيط كل جديد في المجال العلمي للمواطن العادي حتى يكون على إحاطة كاملة بما يحدث من تطوّر علمي. وفي هذا السياق وجّه مشرّفه كلامه إلى زملائه العلميين قائلاً: «من الأمور التي تؤخذ على العلماء أنهم لا يحسنون صناعة الكلام؛ ذلك أنهم يتوخّون عادة الدقة في التعبير ويفضّلون أن يبتعدوا عن طرائق البديع والبيان».

وفي مطلع القرن الحادي والعشرين برز الرياضي الفرنسي لورنت لافورغ Lafforgue الذي حاز عام 2002 ميدالية فيلدز في الرياضيات (المعادلة لجائزة نوبل)، وتميّز بموقفه في ربط مسألة التحكم في اللغة بالنبوغ في الرياضيات؛ ففي محاضرة بعنوان: «الدراسات الكلاسيكية وحرية الفكر» ألقاها لورنت لافورغ في جامعة السوربون أمام أعضاء إحدى الجمعيات المدافعة عن اللغة الفرنسية يوم 12 مارس 2005، تساءل عما إذا كان التحكم في العلوم مرتبطا بالتحكم في اللغة؟

 

هيا نلق نظرة على ما يراه هذا العالم الكبير من روابط بين العلوم واللغة والآداب، فبعد أن أوضح أن المدرسة الفرنسية في خطر، قال: «وليس لنا بد، إذا ما أردنا إنقاذها وتصحيحها، سوى أن يشكل رجال الأدب والعلم جبهة مشتركة».

 

ويعتقد لافورغ أنه مهما بلغت درجة مأساة وضعية تدريس الرياضيات والعلوم «فإن المأساة أعظم بالنسبة للآداب». ويواصل القول إن الأمر يتعلق «بالحرية التي تخوّل للإنسان القدرة على التفكير بذاته. ذلك أني أعتقد بأن عدم تلقين اللغة بشكل صحيح وعدم تغذية الفكر بالاحتكاك بكبار كتّاب الماضي هي أسوأ من المُصادرَة : إنها تعني منع تكوين الفكر ذاته، وهي تعني رفض تزويد الأجيال الصاعدة بأدوات الحرية الفكرية وحرية العقل».

وقد عبّر المحاضر عن حساسيته لمسألة اللغة، موضحاً أن الرياضيات تقوم على قواعد منطقية كما وضعها أرسطو، أي على شكل من أشكال القواعد اللغوية، ليست بالضبط تلك القواعد التي تتحكم في النص الأدبي، بل هي قبل كل شيء قواعد وضع الجمل. والرياضيات ــ مهما بلغ تقدمها ــ تتمثّل دائماً في صياغة «جمل بسيطة» ترتَّب الواحدة منها تلو الأخرى، وهي جمل «يجب عليها احترام نفس القواعد الأولية. وبدون تلك القواعد، وبدون تلك الضوابط اللغوية لا تكون هناك رياضيات»!!

من المعلوم أن الرياضيات تقوم على فنّ التحكم في قواعد المنطق والوصل بينها بمرونة، وتقوم أيضاً على المهارة المكتسبة من الممارسة المتمثلة في تحويل أشكال الاستدلال. وتعتمد الرياضيات كذلك على فنّ التركيب. فكل نصّ رياضي له نقطة انطلاق يواصل بعدها مساره نحو هدف منشود باتباع مسالك تتماشى مع ذلك الهدف… وهي «مسالك يمكن أن يتباعد بعضها عن بعض لتلتقي بعد ذلك أو تتقاطع أو تتفرع قبل أن تؤول مجتمعةً نحو هدفها». وبدون المقدرة على تنظيم الاستدلال وترجمته في نص لغوي ليقرأ من قِبل آخرين «فليس هناك رياضيات بالمعنى المتداول لدى الرياضيين».

 

يلاحظ لافورغ أن المدرسة اليوم «تهمل القواعد اللغوية… وتهمل بشكل تلقائي تعلم تصريف الأفعال، ولا تبالي بتعلم اللغة المكتوبة والتمارين الأساسية في الإنشاء والمقالة، ولا تعير اهتماماً لتعلم المفردات والقواعد الإملائية. إني أعتبر كل هذه المسائل أساسية بوصفها تشكل قسطاً معتبراً من مكوّنات رجل الرياضيات أو رجل العلم». لماذا؟ «لأن تلقين المنطق ومرونة الاستدلال يتمّان عبر اللغة الطبيعية».

 

ثم ألحّ على الفائدة الكبيرة التي يجنيها رجال العلم من جرّاء إتقان تعلم اللغة معتبراً أن حرية الفكر تبدأ بالقواعد اللغوية: «تحرير الفكر يبدأ بالتحكم في تصريف الأفعال التي تحفظ عن ظهر قلب، وتبدأ حرية التفكير بالتحكم في قواعد اللغة المكتوبة وفي المفردات، وبالتحكم الجيّد في القواعد الإملائية».

 

ومن مشاهير النقاد اللاذعين في عالم الرياضيات اليوم الدكتور ديديي نوردون Nordon ، أستاذ الرياضيات بجامعة بوردو الفرنسية؛ فهو يرى مثلاً أنه يجب على الثقافة أن تمنح للفرد أدوات التعبير عن حريته بالشكل الأنسب. وبطبيعة الحال فهذا يتطلب الإلمام بكميّة من المعارف. غير أن التعبير عن الحرية لا يقتصر على التلقائية: ما هي المعارف الضرورية؟ وما هي المعارف غير الضرورية؟ إنه سؤال صعب. وهنا نجد لدى نوردون رأياً مثيراً وناقداً: إن الرياضيات لا تشكّل معارف ضرورية على الرغم من وجوب توفير الإمكانات اللازمة ليتعلمها الطفل من دون أن يفرض عليه ذلك. فهناك أناس لا يهتمون بالرياضيات ولا يشعرون برغبة في تعلمها ولا بحاجة إليها … فلماذا نفرض عليهم تعلمها؟!!

 

ويوضح نوردون موقفه المثير، فيعلن أن هناك غلوّاً في القول بأن للرياضيات مزايا من شأنها أن تساعد الفرد على اكتساب قدرات فكرية، مثل المنطق السليم والحجة الدامغة والقدرة على التجريد واكتساب الفكر الناقد؛ فلماذا لا ينطبق ذلك على اللغة دون الرياضيات؟! ولذا ينبغي ــ حسب نوردون ــ إعادة النظر في العديد من الأحكام والآراء بخصوص الرياضيات وشأنها في المجتمع، ويقتضي الأمر أن يقدّم الرياضيون بعض التنازلات منها:

– قبول الفكرة القائلة بأن للرياضيات معنى آخر يختلف عن ذلك الذي يعطيه لها الرياضيون.

 

– التسليم بأن النظريات التي يتغنون ببراهينها وصدق نتائجها هي نظريات تحمل نصيباً من النسبية ومن ثم فهي قابلة للنقاش.

 

– التسليم بأن رأي رجل الشارع ليس أقل شرعيةً من رأي الرياضي.

 

– ينبغي التخلّي عن فكرة «اليقين» التي ما زالت تحيط بالرياضيات.

 

تلك لمحة عن مواقف بعض المختصين في الرياضيات، ومن المؤكد أن هناك آراء مخالفة لما أوردناه آنفاً، ترى أن الرياضيات فوق الجميع، وأن دور اللغة في هذا الحقل دور ثانوي… غير أن المتمعّن في هذه المسألة سيدرك أن الأمر يتعلق هنا برأي لا يرتكز على ما يمكن التسليم بصلاحيته.

 

عبء الرياضيات

والواقع أن الناس جميعاً (باستثناء الدكتور ديديي نوردون) يُلْقون على عاتق الرياضيات عبئاً ثقيلاً في تكوين المتعلم، ومن ثمّ وجب في نظرهم الاعتناء بتدريسها. فعندما نتفحص مناهج الرياضيات في الكتب المدرسية والتعليمات الواردة فيها منذ مطلع القرن العشرين في مختلف البلدان المتقدمة، مثل إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (سابقاً) وألمانيا (في عهد النازية وما بعده)، وكذا في اليونسكو، نلاحظ اتفاقا على جملة من العوامل المشتركة. وهذه بعض الإشارات إلى ما يُطلب من الرياضيات في تلك البلدان والهيئات:

وإن كانت للرياضيات كل هذه الأعباء فكيف لا ترتكز في تأدية مهمتها على أشياء كثيرة، أبرزها اللغة؟! وكيف يكون في هذه الحال دور القواعد اللغوية والتحكم فيها ثانوياً؟!

ثم إنه لا شك أن الرابط الموجود بين اللغة والرياضيات يعطي قوة لهذه الأخيرة. والملاحظ أن لغة الرياضيات تتميّز بطابع خاص في التواصل سواء بين الرياضيين أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم من فئات المجتمع. وليس سراً أن هذه اللغة أثّرت تأثيراً كبيراً في كل مجالات الحياة في عصرنا الراهن الذي يعتمد على الوسائل التقانية، والتي تعتمد بدورها على الرياضيات بكل حقولها.

وعلى الرغم من أن اللغة تميل بشكل متزايد إلى التواصل بالصيغة الشفوية فإن الرياضيات ما زالت صامدة أمام هذه الظاهرة، ويركّز أهلها على التواصل عبر النصّ المكتوب. فهل يشكل ذلك وجهاً من أوجه الصعوبة التي يراها الناس في الرياضيات العاجزة عن التواصل الشفوي؟ الواقع أن الرياضيات تفضل النص المكتوب توخّياً لدقة المضمون وسلامة تبليغ الأفكار. وفي هذا السياق لا بد من ملاحظة أن لغة الرياضيات لغة متعددة الأوجه، فهناك:

ـ لغة الرياضيات المكتوبة : وهي تتضمن بوجه خاص رموزاً دقيقة ورسومات وأشكالاً إضافة إلى اللغة العادية التي يتواصل بها الناس.

ـ لغة الرياضيات الشفوية : وهي تتطلب إدراك المستمع لطريقة قراءة ونطق الرموز والعلاقات التي تمزج بين الأرقام والحروف الأبجدية وتلك الرموز. ولذلك فلا يمكن عموماً الاستغناء عن النص المكتوب حتى عند التعبير عن الأفكار الرياضية شفوياً.

ـ لغة الرياضيات لغة أجنبية : تعتبر لغة الرياضيات لغة أجنبية، بمعنى أننا لا نتواصل بها في الشارع والسوق والمنزل، ولهذا فهي صعبة لأنها بعيدة عن اللغة الأم. ومن هذا المنظور فإنه علينا ألا نؤخر تعلمها، لأننا بقدر ما نتأخر في تعلم لغة أجنبية، تزداد صعوبة تعلمها.

ــ لغة الرياضيات لغة حية أم ميتة؟ : يقول البعض إن لغة الرياضيات لغة ميتة لأننا لا نستعملها خارج مكان معيّن (المؤسسات التعليمية وهيئات البحث)، ثم من لا يزال يجري عمليات الضرب والقسمة المعقدة ذهنياً أو يدوياً؟ فتلك العمليات أصبحت «لغة ميتة» عوضتها الآلة الحاسبة الحديثة. وما قولك في تعلم موضوعات رياضية لا صلة لها بحياة المتعلم، ولا يرى الفائدة منها… أليست موضوعات «ميتة»؟ وبالمقابل، كيف نصدر هذا الحكم على لغة الرياضيات وهي اللغة الحيّة التي تكتب بها يومياً مئات الأبحاث الأصيلة وتصدر بها سنوياً آلاف الكتب في مختلف دور النشر عبر العالم؟!

ــ لغة الرياضيات لغة مجردة : يغلب على الرياضيات ومصطلحاتها التجريد. فعلى سبيل المثال، إذا ما أشار رياضيون إلى مفهوم «الفضاء» فهم قد لا يعنون به الفضاء الثلاثي الأبعاد الذي نعيش في كنفه، بل ربما يعنون الفضاء (المستقيم) الوحيد البعد، أو المستوي (المسطح) الثنائي البعد … وكثيراً ما يعنون به فضاءً ذا بعدٍ مجهول، قد يساوي ألفاً أو مليوناً، بل قد يكون غير منتهي البعد!

 

وخلاصة القول أن هؤلاء يرون علاقة وثيقة قائمة بين الرياضيات واللغة، ذلك أنه مهما اختلفت الآراء فهي تعترف بأن اللغة وعاء للعلم. ومن ثمّ فهي تمثل العنصر الأساسي في عمليات التأمل والتفكير في كل حقول المعرفة والتعبير عنها. والواضح أن للغة والرياضيات عواملَ مشتركة كثيرة إذ لا يمكن فصل اللغة عن الفكر، ولا فصل الفكر عن الرياضيات، ويذهب البعض إلى تشبيه رابط اللغة بالفكر بعلاقة الأرقام بالحساب، ورابط الفكر بالرياضيات بعلاقة الحساب بالرياضيات.

 

ومن العوامل المشتركة أن كلاً من اللغة والرياضيات يساعد الفرد على استخلاص معايير يبني عليها أحكامه ويهذب من خلالها ذوقه. كما أن كليهما يؤدي إلى الاستمتاع الحسي والاجتماعي والفكري. ثمّ إن علاقة الرياضيات باللغة تمتد إلى الشعر، ليس بسبب استخدام الرياضيات في دراسة قواعد العروض كما جاء في بعض المؤلفات الحديثة بل في استخدامهما الرمز والتجريد عوض الألفاظ المتداولة بين عامة الناس. ومن هذا المنظور فالرمز الذي يقوم عليه عماد الشعر والرمز المعبّر عن كتلة من المعلومات في الرياضيات يمثلان عنصراً مشتركاً بينهما. كما أن التخيّل الذي يسود في كل أعمال الرياضيين يلتقي مع التخيّل الذي يهيم فيه الشعراء.

ألا ترى بعد كل ذلك أن دقة مضمون النص المعبّر عن الأفكار الرياضية تتطلب قوة التحكم في الألفاظ وفي الربط بينها ربطاً يخضع خضوعاً تاماً للقواعد اللغوية؟ ألا ينبغي التريث قبل إصدار الحكم على صعوبة الفصل بين الرياضيات واللغة؟ ألا يدعونا الوضع الراهن إلى التنسيق بين رجالات اللغة ورجالات الرياضيات حتى نصمّم مناهج تعليمية ناجحة؟ لا شك أن القارئ قد أدرك منحى إجابتنا عن كل تلك التساؤلات.

مكانة اللغة عند أسلافنا

عندما نتصفح كتابات علماء العرب والمسلمين في مجال الرياضيات والعلوم الأخرى فإننا نادراً ما نجد مؤلفات سيئة الأسلوب أو ركيكة اللغة. فقد كان جلّ هؤلاء العلماء يتحكمون في قواعد اللغة تحكماً كاملاً، وكان أسلوبهم يمزج بين العلم والأدب. ذلك مثلاً حالً أسلوب واضع علم الجبر، الخوارزمي (ت: 232هـ/846م) في كتابه «الجبر والمقابلة»، كما أن البيروني (ت: 400هـ/1084م) يتفق مع الخوارزمي في هذا الباب في كل ما كتب حول العلوم المختلفة.

وقد حذا حذو هؤلاء ابن سينا (370هـ/980م-428هـ/1037م) في الطب، والسموأل المغربي (524هـ/1130م – -570هـ/1175م) في الجبر، وابن الهيثم (354هـ/955م-431هـ/1040م) في البصريات، وأبو حنيفة الدينوري (ت: 282هـ/895م) في النبات، والإخوة بنو موسى (ق. 3هـ/9م) في الميكانيكا، والبتاني (244هـ/858م-317هـ/929م) في الفلك، وثابت بن قرة (ت: 288هـ/900م) في علوم شتى، ونصير الدين الطوسي (594هـ/1201م-672هـ/1274) في الرياضيات وغيرها، والبوزجاني (328هـ/940م-376هـ/986م) في علم المثلثات، وابن ماجد (نحو 830هـ/1426م- ت. بعد 933هـ/ 1527م) في علم البحار، وعمر الخيام (436هـ/1044م-517هـ/1123م) في الهندسة. وما هذه الأسماء إلا عينة ممن كانوا يتقنون في آن واحد علم اللغة والعلوم التي اختصوا فيها.

 

فما قول القارئ في سلامة ودقة وسلاسة اللغة في العينة التالية من النصوص العلمية:

هذا القانون الأول للحركة الذي ينسبه الغربيون إلى نيوتن (1051هـ/1642م-1140هـ/1727م) رغم أن ابن سينا (370هـ/980م – -428هـ/1037م) سبقه في ذلك ووصفه في العبارات التالية : «إنك لتعلم أن الجسم إذا خُلِّي وطباعه، ولم يَعْرِضْ له من خارجٍ تأثيرٌ غريبٌ، لم يكن له بُدٌّ من موضع معيَّن وشكل معيَّن، فإن في طباعه مبدأ استيجاب ذلك، وليست المعاوقة للجسم بما هو جسم، بل بمعنى فيه يطلب البقاء على حاله».

 

هذا القانون الثاني للحركة الذي ينسب أيضاً إلى نيوتن في الغرب رغم أن ابن ملكا البغدادي (480هـ/1087م – -560هـ/1164م) قد سبقه وقدمه في العبارات التالية: «وكل حركة ففي زمان لا محالة، فالقوة الأشدُّ تُحرِّك أسرع وفي زمن أقصر… فكلَّما اشتدَّت القوَّة ازدادت السرعة فقصر الزمان، فإذا لم تتناهَ الشدَّة لم تتناهَ السرعة، وفي ذلك تصير الحركة في غير زمان أشدَّ؛ لأن سلب الزمان في السرعة نهاية ما للشدَّة». ثم يوضح : «تزداد السرعة عند اشتداد القوَّة، فكلما زادت قوَّة الدفع زادت سرعة الجسم المتحرِّك، وقصر الزمن لقطع المسافة المحدَّدة».

 

وهذا القانون الثالث للحركة الذي ينسب إلى نيوتن رغم أن ابن الهيثم (354هـ/955م-431هـ/1040م) سبقه إليه ونصّ عليه كما يلي: «المتحرِّك إذا لقي في حركته مانعاً يمانعه، وكانت القوة المحرِّكة له باقية فيه عند لقائه الممانع، فإنه يرجع من حيث كان في الجهة التي منها تحرَّك، وتكون قوَّة حركته في الرجوع بحسب قوَّة الحركة التي كان تحرَّك بها الأوَّل، وبحسب قوَّة الممانعة».

 

أما السموأل المغربي (524هـ/1130م-570هـ/1175م) فهو صاحب نتائج أصيلة في الجبر لم يسبقه إليها أحد وضعها في كتابه «الباهر في الجبر». وقد جاءت في مقدمة هذا الكتاب العبارات التالية التي يدرك منها القارئ مدى تحكم المؤلف في اللغة إلى جانب براعته في الرياضيات :

 

«هذا الكتاب الذي جمعنا فيه أصول صناعة الجبر والمقابلة، وبرهنّا منها على ما لم نجد أحداً برهن عليه، وكملنا بما أودعناه من الأعمال المبتكرة والأشكال المبتدعة ما كان في أيدي الناس من هذه الصناعة، وعلّلنا فيه ما زعم فيثاغورس أنه أدركه بطريق الوحي، وجئنا به صفواً منزهاً من التمويهات والشوائب، لم نخلط كلامنا بكلام من تقدمَنا، لكنَّا نسبنا إلى أقدم من نقل ذلك عنه، وقسمناه إلى أربع مقالات تنفرد كلُّ واحدة منها بمعنى، فمهّدنا في المقالة الأولى الطريق إلى التصرّف في المجهولات بجميع الأدوات الحسابية كما يتصرّف الحاسب في المعلومات…».

 

هذا، وذهب بعض علماء العرب، بعد التحكم في مقاليد النثر، إلى الاهتمام بكتابة الشعر. فمنهم من كتب أبياتاً في مناسبات مختلفة، ومنهم من كتب أراجيز طويلة تحمل قواعد رياضية دقيقة. ومن أشهر تلك الأراجيز نذكر:

ــ الأرجوزة الياسمينية لابن الياسمين (ت: 601هـ/1204م) : وهي تقع في 54 بيتاً وتناولت موضوع الجبر والمقابلة.

 

ــ أرجوزة «الإكسير المُبتغى من صنعة التكسير» لابن ليون التجيبي (ت. 750هـ/1346م)، تقع في 203 أبيات، وتناولت موضوع الهندسة.

 

ــ منظومة «المُقنع» لابن الهائم المصري المقدسي (753هـ/1352م-815هـ/1412م) : وهي تقع في 59 بيتاً، وتناولت أيضاً الجبر.

 

ــ أرجوزة «منية الحساب» لمحمد بن غازي المكناسي (858هـ/1456م-919هـ/1513م).

 

ــ أرجوزة البقاعي الشافعي (ت: 885هـ/1480م): تناولت الحساب والهندسة.

 

ــ أرجوزة «اللباب في أصول الحساب» لجمال الدين محمد الحضرمي(ت: 930هـ/1523م).

 

تلك إطلالة على روابط تجمع اللغة بالرياضيات، ولا شك أن التعمّق في هذا الموضوع سيكشف عن روابط أخرى بينهما، وكذا بين اللغة ومختلف العلوم. ومن ثمّ فالحال يدعو أهل اللغة والمختصين في مختلف حقول المعرفة إلى تكثيف الجهد والتقارب من أجل خدمة المجتمع العربي لغوياً وعلمياً.

 

أهم المراجع

 

1) الأميري، أحمد البراء: كيف نفكر بدون لغة، مجلة المعرفة، الرياض، عدد 65، 2000.

 

2) السموأل المغربي : الباهر في الجبر، تحقيق صلاح أحمد ورشدي راشد، مطبعة جامعة دمشق، 1972.

 

3) حركات، مصطفى : اللسانيات العربية والعروض، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، 2007.

 

4) سعد الله، أبو بكر خالد : عَالم الرياضيات، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2005.

 

5) قدري حافظ طوقان، تراث العرب العلمي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ودار الشروق، بيروت، (بدون تاريخ، صدرت الطبعة الأولى عام 1941).

6) Nordon, Didier : Les mathématiques pures n›existent pas! Actes Sud, Paris، 1993

7) موقع لورنت لافورغ على شبكة الإنترنت : www.ihes.fr/~lafforgue

– مجلة الرافد –

د. أبو بكر خالد سعد الله

عالم جزائري متخصص في الرياضيات واللغات
Exit mobile version